الأخبارفضاء الرأي

رمضان: زمن التزكية وبناء الإنسان/ أحمد محمد حماده

الاستاذ:احمد ولد محمد حمادة

يحلّ شهر رمضان كل عام كضيف كريم، حاملاً معه نفحات إيمانية وفرصة ثمينة لمراجعة الذات وإعادة بناء العلاقة مع الله، ومع النفس، ومع المجتمع. فرَمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة شاملة لإعادة ترتيب الأولويات، وتهذيب السلوك، وبعث الحياة في القيم التي قد تضعف تحت ضغط الانشغال اليومي.

يمنح الصيام الإنسان صفاءً داخليًا يخف فيه سلطان الجسد، فتسمو الروح ويزداد الحضور القلبي في الصلاة، ويغدو القرآن أقرب إلى القلب والعقل، ويصبح الدعاء أكثر صدقًا وعمقًا. وفي هذا الجو الإيماني تتحول العبادة من عادة إلى وعي، ومن ممارسة شكلية إلى علاقة حية، حين تُجعل لها مكانتها الطبيعية في اليوم والضمير.

ويشكل رمضان تدريبًا عمليًا على ضبط النفس وتربية الإرادة، إذ يتعلم الصائم كيف يتحكم في رغباته ويقاوم نزواته، فيتحول الصبر إلى سلوك يومي، والطاعة إلى اختيار واعٍ. ومن قدر على ترك المباح تقربًا إلى الله، كان أقدر على اجتناب المحرم بعد انقضاء الشهر، لتستمر آثار رمضان في السلوك لا في الذاكرة فقط.

ويمتد أثر الصيام ليشمل الأخلاق والعلاقات الإنسانية، فالصائم الحق لا يصوم عن الطعام وحده، بل يصوم عن الأذى وسوء القول وضيق الصدر. وفي رمضان تتاح فرصة نادرة لتصفية القلوب، وإصلاح ما فسد من العلاقات، وبث روح التسامح والعفو، خاصة داخل الأسرة والمحيط القريب، حيث تتجلى القيم في أبسط التفاصيل.

ولا ينبغي أن يتحول رمضان إلى ذريعة للكسل أو تعطيل العمل، بل هو شهر الانضباط وتنظيم الوقت، والموازنة بين متطلبات الروح وواجبات الحياة. فقد كان رمضان عبر التاريخ شهرًا للإنجاز والعطاء، مما يؤكد أن العبادة الحقة لا تتناقض مع العمل، بل تمنحه معنى أعمق وروحًا أصدق.

وتبرز في هذا الشهر ملامح التضامن الاجتماعي، حيث يتعزز الإحساس بالآخرين، ويقوى الشعور بالمسؤولية تجاه المحتاجين. فالصدقة في رمضان ليست مجرد فعل إحسان، بل تعبير عن وعي جماعي، وشراكة إنسانية، وإدراك بأن المجتمع لا يستقيم إلا بتكافله وتراحمه.

إن رمضان محطة تحول حقيقية لمن أحسن استقباله، وفرصة لإعادة صياغة الذات على أسس أعمق وأبقى. فهو زمن لترميم الروح، وتقوية الإرادة، واستعادة المعنى، ليغادر الإنسان هذا الشهر وقد حمل معه زادًا أخلاقيًا وروحيًا يرافقه في بقية أيامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى