شنقيط أم موريتانيا؟ جدلية الاسم بين الهوية الحضارية وبناء الدولة الحديثة :أحمد محمد حماده

حضرتُ نقاشاً أخوياً جمعني ببعض الأصدقاء حول تسمية موريتانيا بدل اسم شنقيط، وقد تباينت الآراء وتعددت وجهات النظر بين من يرى في التسمية الحالية تعبيراً عن واقع الدولة الحديثة، ومن يعتبر اسم شنقيط أكثر دلالة على الهوية الحضارية والتاريخية للبلاد. وقد دفعني هذا الحوار الهادئ والمثمر إلى محاولة الإسهام بدوري في تناول هذا الموضوع، سعياً إلى مقاربته بقدر من الموضوعية والاتزان، بعيداً عن التعصب أو الانحياز المسبق، ومن منطلق قراءة فكرية تستحضر الخلفية التاريخية للتسمية ودلالاتها الحضارية والسياسية في آن واحد.
يُلاحظ في الخطاب العربي، وخاصة في المشرق، شيوع استعمال اسم شنقيط بدل موريتانيا عند الحديث عن البلاد أو عن علمائها وشعبها، حيث يُقال: البلاد الشنقيطية أو العلماء الشناقطة. ولا يُعدّ هذا مجرد اختلاف لغوي في التسمية، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الهوية الحضارية بالتسمية السياسية، وبالتوتر القائم بين الذاكرة التاريخية وبناء الدولة الحديثة، وهو نقاش يتجاوز حدود الدلالة الجغرافية ليطرح سؤالاً فكرياً حول من يعرّف هوية الشعوب: التاريخ الثقافي أم التشكيلات السياسية الحديثة.
يرتبط اسم شنقيط أساساً بمدينة شنقيط التاريخية التي برزت منذ القرن الثالث عشر الميلادي مركزاً علمياً ودينياً بارزاً في الصحراء الكبرى، ومعبراً رئيسياً للقوافل التجارية وطرق الحج بين غرب إفريقيا والمشرق. وقد اكتسبت المدينة مكانتها بوصفها فضاءً علمياً احتضن المحاظر والمكتبات والمخطوطات، وأسهم علماؤها في الفقه المالكي وعلوم اللغة والحديث، حتى أصبح الحجاج والعلماء القادمون من هذه البلاد يُعرفون في المشرق بـ”الشناقطة”، لترسخ التسمية لاحقاً باعتبارها هوية علمية وثقافية شاملة تدل على المجال الحضاري للمنطقة بأكملها.
وبفعل هذا الحضور العلمي، تجاوز اسم شنقيط الدلالة الجغرافية ليعبّر عن فضاء ثقافي متكامل تشكل عبر قرون من التراكم المعرفي والتواصل الحضاري، وهو ما يمنحه طابعاً رمزياً بوصفه تمثيلاً للذات التاريخية للمجتمع، لا مجرد تسمية مكانية.
في المقابل، ظهر اسم موريتانيا بصيغته الحديثة خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية في القرن العشرين، حيث اعتمدته الإدارة الاستعمارية تسمية للإقليم ضمن تنظيماتها الجغرافية والسياسية. ويرتبط الاسم بجذور لاتينية قديمة (Mauretania) كانت تطلق على مناطق واسعة من شمال غرب إفريقيا، لكنه لم يكن تسمية نابعة من البناء الاجتماعي أو الثقافي المحلي. ومن ثم يمثل اسم موريتانيا إطاراً سياسياً حديثاً نشأ في سياق إعادة تشكيل المجال الجغرافي وفق منطق الدولة الحديثة وحدودها السيادية.
وهنا تتجلى جدلية فكرية أساسية: فالتسمية ليست مجرد علامة محايدة، بل هي تعبير عن تصور للذات الجماعية وللمجال الحضاري. فالاسم الذي يتشكل من داخل التجربة التاريخية يحمل حمولة رمزية وثقافية مختلفة عن الاسم الذي ينتج في سياق إداري أو سياسي خارجي.
وفي سياق هذا النقاش، عبّر عدد من المفكرين والباحثين الشناقطة عن تفضيلهم تسمية شنقيط بوصفها أكثر تعبيراً عن الهوية الحضارية للبلاد من اسم موريتانيا الحديث. ففي كتابات المؤرخ والمفكر الموريتاني محمد المختار ولد اباه يبرز التأكيد على الخصوصية العلمية والحضارية للمجال الشنقيطي، وعلى أن اسم شنقيط ارتبط تاريخياً بإشعاع علمي وثقافي واسع في العالم الإسلامي، حتى أصبح وصف “الشنقيطي” علامة على مدرسة علمية قائمة بذاتها. كما يرى الباحث في التراث الموريتاني الخليل النحوي أن تسمية شنقيط تعبّر عن الامتداد الثقافي والاجتماعي للمجتمع قبل تشكل الدولة الحديثة، وتعكس وحدة المجال الحضاري الذي صاغته المحاظر والرحلة العلمية والتقاليد المعرفية المحلية.
وفي السياق ذاته، يؤكد المفكر والأكاديمي الموريتاني محمد المختار الشنقيطي، الأستاذ بجامعة قطر، أن اسم شنقيط يمثل إطاراً حضارياً وتاريخياً تشكل عبر قرون من التراكم العلمي والثقافي، بينما جاء اسم موريتانيا في سياق إداري استعماري حديث لا يعكس بالضرورة الخصوصية الثقافية والتاريخية للمجتمع. ويرى أن استمرار حضور اسم شنقيط في الوعي العربي والإسلامي يعكس قوة الرصيد الرمزي والحضاري للبلاد، ويجسد ارتباط الهوية بتاريخها العلمي والثقافي العميق.
غير أن هذا النقاش لا ينبغي فهمه باعتباره مجرد مفاضلة لغوية بين اسمين، بل باعتباره جزءاً من إشكالية أوسع تتعلق بعلاقة الدولة الحديثة بالهوية التاريخية. فالدولة الوطنية في السياق ما بعد الاستعماري غالباً ما ورثت حدوداً وتسميات لم تنشأ من داخل تطور المجتمع، وهو ما يخلق أحياناً فجوة بين الهوية السياسية والهوية الحضارية. ومن هنا يمكن فهم تفضيل اسم شنقيط لدى بعض المفكرين بوصفه تعبيراً عن نزعة لاستعادة المرجعية الثقافية وإعادة وصل الحاضر بجذوره التاريخية.
وفي المقابل، يمثل اسم موريتانيا واقع الدولة الحديثة وإطارها المؤسسي والسيادي، وهو تعبير عن لحظة تاريخية مختلفة تتصل ببناء الكيان السياسي وتنظيم المجال الوطني. وبذلك فإن العلاقة بين الاسمين ليست علاقة تعارض مطلق، بل علاقة بين مستويين من الانتماء: انتماء حضاري تاريخي تمثله شنقيط، وانتماء سياسي حديث تمثله موريتانيا.
ومن منظور فكري أعمق، يعكس استمرار حضور اسم شنقيط في الوعي العربي قوة الذاكرة الحضارية في تشكيل هوية الشعوب، كما يكشف أن الهوية ليست مجرد نتاج للحدود السياسية، بل هي أيضاً نتاج للتراكم الثقافي والتاريخي. كما يطرح هذا الجدل سؤالاً محورياً حول كيفية تحقيق التوازن بين ضرورات الدولة الحديثة ومتطلبات الاستمرارية الحضارية، بما يسمح ببناء هوية وطنية تجمع بين الأصالة التاريخية والواقع السياسي.
وفي ضوء هذه الجدلية، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة للهوية الوطنية تجمع بين العمق الحضاري ومتطلبات الدولة الحديثة. فتعزيز الوعي بتاريخ البلاد ورصيدها العلمي والحضاري، وإحياء الذاكرة الثقافية المرتبطة بمجال شنقيط العلمي، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه رفضاً لإطار الدولة الوطنية، بل باعتباره رافداً رمزياً ومعنوياً يعزز تماسكها ويعمّق مشروعها الحضاري.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة قائمة إلى ترسيخ الهوية الثقافية الوطنية عبر دعم البحث في التراث الشنقيطي، وتعزيز حضور الذاكرة الحضارية في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي والإعلامي، بما يسهم في بناء وعي جماعي متوازن يستحضر الجذور التاريخية دون أن يتعارض مع مقتضيات الدولة الحديثة. كما أن إعادة الاعتبار للبعد الحضاري في تعريف الذات الوطنية يمكن أن يشكل أساساً لتعزيز الثقة بالهوية الثقافية وترسيخ الانتماء الوطني في سياق عالمي سريع التحولات.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين اسمين بقدر ما يتمثل في القدرة على بناء رؤية وطنية تستوعب التراكم التاريخي وتستجيب لمتطلبات الحاضر، بما يسمح بتحقيق توازن خلاق بين الاستمرارية الحضارية وبناء الدولة، وبين الذاكرة الثقافية والسيادة السياسية، في إطار مشروع وطني جامع يعكس خصوصية البلاد وعمقها الحضاري.
وفي النهاية، لا يتعلق النقاش حول شنقيط وموريتانيا بالتسمية في ذاتها، بل برؤية أوسع للهوية والتاريخ والدولة، وبالسعي إلى فهم موقع الذاكرة الحضارية في تشكيل الوعي الوطني. وهو نقاش يعكس حيوية الفكر حول الذات الثقافية للبلاد، ويؤكد أن استحضار البعد الحضاري لا يناقض بناء الدولة، بل يمكن أن يشكل أحد أسسه الرمزية والمعنوية.




