الأخبارمقالات و تحليلات

الاستشاري السيد ولد السيد يكتب : الخطاب الرئاسي: الهجرة الى الوطن بين الرمز والتحول!

الاستشاري السيد ولد السيد /خبير الاستشارات الذكية والتحول الرقمي

في كتاب السنين، نقشت الرمال حروف عودة وأساطير حنين. بين طيات الصحراء والثلج، تكتمل رمزية النداء. هنا يبدأ الحلم، تلتقي الأزمنة، وتعود الأرواح إلى موطنها الأصلي. صوت الوطن يُعيدُ صدى التاريخ ويحمل في كلماته بشائر الغد والمهاجرين نحو وطن ينتظر عودة عشاقه بشوق. حيث تلتحم الحكمة بالحنين وتتفتح الأزهار في صحراء الروح.

تبدو الصحراء مساحة صمتٍ عميقة تحمل في طياتها كل صدى. تعلّمنا أن الريح لا تُحاسب على اتجاهها ؛ هكذا هي خطابات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وما تثيره من  اطروحات استيراتيجية وايحاءات ذكية. ففي يوم مشهود، 9 فبراير 2026، من قلب ولاية “غورغول”، أطلق الرئيس نداءً غير مسبوق إلى الجاليات الموريتانية بالخارج، مؤكدًا أن الوطن يتسع للجميع، ومعلنًا نهاية عهد الملاحقة وبداية عهد المشاركة لجمع الشتات من المهجر وتحويل الاختلاف إلى طاقة بناء.

 التسامح سياسة فاعلة

طوال عقود، كان النقد المُوجَّه إلى السلطة في موريتانيا سببًا للمنفى الطوعي أو الإجباري. لكن تصريح الرئيس في يوليو 2025، شكل منعطفًا استيراتيجا مفاده إن المدونين والناشطين غير ملاحقين قضائيًا وأن الوطن لا يغلق بابه أمام أبنائه.

أصبح التسامح قاعدة سياسية وعلى إثر هذا الإعلان، خطت الدولة خطوات لترجمة التسامح إلى سياسات: أُقرّت خطة لمراجعة قانون الجنسية لتمكين ازدواجية الجنسية، ومنح أفراد الجاليات حق التصويت، وتطوير خدمات إلكترونية تسهّل استخراج الوثائق. وأعربت الجاليات في دول الجوار عن ارتياحها لهذه الخدمات الرقمية وللاتجاه نحو تمثيلهم البرلماني. كلها إشارات إلى أن الدولة تتحول من خطاب رمزي إلى إجراء عملي.

جسور  المهارات

البعد الاستراتيجي للدعوة لا يقتصر على العفو؛ بل يشمل استرداد المهارات المهاجرة. فالانتقال من “نزيف الأدمغة” إلى “عودة الأدمغة” يتطلب توفير ظروف استثمارية واقتصادية جاذبة، وتشجيع الخبراء في التكنولوجيا والقانون والطاقة الخضراء على العمل داخل الوطن.

بعض الدول الأفريقية، مثل غانا ورواندا، أدركت مبكرًا أهمية استثمار الكفاءات المهاجرة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع. يمكن لموريتانيا أن تستلهم هذه التجارب، فتُعِد برامج تسهيلات ضريبية أو منحًا تشجيعية للعائدين. عندئذ تتحول الدعوة من نبرة أخلاقية إلى مشروع تنموي شامل.

حكمة تنوع مبدع

يستدعي الخطاب الرئاسي حكمةً من كل الثقافات: فكما يقول مثل شرقي “الشجرة ذات الجذور العميقة تضحك من الريح”، نجد في قول ماركوس أوريليوس “ما لا ينفع الخلية لا ينفع النحلة” تجسيدًا لفكرة المصلحة العامة. ومن تراث الصوفية في الترحيب بالآخر، يقول جلال الدين الرومي: “الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور”  أي أن الاختلافات قد تفتح الباب للنمو والابتكار. هذه الحكم تذكّر بأن التسامح استثمار في التعددية.

السيادة والتنمية

لا يمكن الحديث عن دعوة إلى العودة دون ربطها بمعضلة السيادة. إن العودة إلى الوطن لا تعني مجرد إسقاط حقائب السفر؛ إنها نداء لإعادة النظر في نموذج التنمية نفسه: تشجيع الزراعة المحلية، تعزيز الصناعات التحويلية، بناء اقتصاد رقمي يُمكّن الشباب من العمل عن بعد لخدمة أسواق عالمية. إن السير في هذا الاتجاه يربط دعوة العودة بترسيخ السيادة، ويجعل المشاركة الاقتصادية جزءًا من التنمية الوطنية.

الإعلام رافعة استراتيجية

بدون دعم إعلامي ناجح، تبقى الخطط في الأدراج. على الإعلام الرسمي والخاص أن يتبنّى خطابًا متجددًا: يعرض قصص نجاح مهاجرين عادوا ونجحوا، وينشر برامج التدريب والتمويل المتاحة، ويتيح منابر للنقاش حول التحديات والعوائق. ك

ويجب استخدام المنصات الرقمية للتواصل مع الجاليات، وتحويل الرسائل السياسية إلى حملات تفاعلية تُظهر للمغتربين أن الوطن يعرفهم وينتظرهم. في الوقت ذاته، على الإعلام أن يواصل دوره الرقابي، حتى لا تظل المبادرات مجرد أوراق أو مؤتمرات.

الوطن أفق مفتوح

العودة ليست منّة من الدولة على مواطنيها، ولا تفضّلاً من المهاجرين على وطنهم؛ إنها التقاء حاجة شخصية برؤية جماعية. بدمج التوجيه السياسي مع الحكمة التقليدية والمعاصرة، يصبح خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مشروع وطني يحرّك طاقات الجميع.

ومن هنا على الحكومة أن تترجم هذه الدعوة إلى برامج واضحة، وعلى الإعلام أن يواكبها بإقناع ومهنية، وعلى الشباب والمدونين أن يدركوا أن صوتهم جزء من الجهود الوطنية. حينها فقط ستتحول الصحراء من فضاء للصمت إلى مساحة يحتضن فيها كل صدى لبناء مستقبل يليق بالجميع.

لن تزدهر بلادنا إلا بتلاحم أبنائها جميعًا، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالًا،  طوائفَ وأحزابًا. نحن قلب واحد، تنوعنا قوتنا، ولغتنا الواحدة هي العمل الصادق. لنعمل معًا، فالوطن أمانة تحتاج لكل جهد وكل حلم. تشرق صباحاتنا بالتسامح، ويثمر مستقبلنا بالتعاون، ولا بقاء إلا لحب الانتماءات الأبدية للوطن.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى