اعتذار ولد بوحبيني عن المنصب… استقلالية موقف أم رسالة للنخبة السياسية؟ احمد ولد الدوه

يشكّل إعلان أسالم ولد بوحبيني الرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان
رفضه التعيين مستشارًا في رئاسة الجمهورية حدثًا لافتًا في السياق السياسي الموريتاني، حيث اعتادت النخبة، في الغالب، على قبول التعيينات الرسمية باعتبارها تتويجًا لمسارها أو تعزيزًا لحضورها العام.
أولًا: دلالة الرفض في السياق الموريتاني
في بيئة سياسية تميل فيها التعيينات إلى لعب دور في إعادة توزيع المواقع واحتواء الشخصيات المؤثرة، يأتي الرفض بوصفه تصرفًا غير مألوف. فقد ظل قبول المناصب جزءًا من ديناميكية العلاقة بين السلطة والنخبة. لذلك يُقرأ موقف ولد بوحبيني باعتباره خروجًا عن هذا النسق التقليدي.
وكونه طلب من الرئيس محمد ولد الغزواني عدم توقيع مرسوم تعيينه، وسبق أن اعتذر عن مواصلة رئاسة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، كما رفض منصبًا دبلوماسيًا، يعزز صورة موقف متّسق لا يتعلق بمنصب بعينه، بل بخيار شخصي واضح.
ثانيًا: كيف يمكن تفسير هذا الموقف؟
يمكن مقاربة المسألة من عدة زوايا:
1. الحفاظ على الاستقلالية الرمزية
قد يكون الرجل حريصًا على البقاء في موقع يتيح له هامشًا أكبر من الاستقلال في الرأي والمبادرة، بعيدًا عن الالتزامات البروتوكولية والسياسية التي تفرضها المناصب الرسمية.
2. إعادة تعريف “النجاح السياسي”
الرفض هنا يبعث رسالة مفادها أن القيمة ليست دائمًا في المنصب، بل في طبيعة الدور وتأثيره. وهو تصور غير شائع في بيئة سياسية تُقاس فيها المكانة غالبًا بالقرب من دوائر صنع القرار.
3. حسابات تتعلق بالصورة العامة
قبول موقع مستشار في الرئاسة قد يُفهم لدى بعض الأوساط كاصطفاف سياسي واضح، بينما يتيح له الابتعاد الاحتفاظ بصورة شخصية توافقية أو فوق الاصطفافات.
4. رسالة أخلاقية للنخبة
سواء كان ذلك مقصودًا أم لا، فإن الرفض يقدم نموذجًا مختلفًا في السلوك السياسي، عنوانه أن المنصب ليس غاية في ذاته، وأن الاعتذار عنه لا يعني القطيعة أو الخصومة.
ثالثًا: ظاهرة فردية أم مؤشر تحوّل؟
حتى الآن تبدو الخطوة فردية أكثر من كونها تعبيرًا عن تيار عام. غير أن قيمتها الرمزية كبيرة، لأنها تفتح نقاشًا حول علاقة النخبة بالسلطة، وحول معنى المشاركة في الحكم: هل تكون دائمًا من داخل المؤسسات التنفيذية، أم يمكن أن تتخذ أشكالًا أخرى؟
خلاصة:
لا يبدو رفض ولد بوحبيني موقفًا احتجاجيًا، بل خيارًا شخصيًا مؤسسًا على قناعة بدور مختلف. وهو، في سياق سياسي اعتاد العكس، يشكّل سابقة لافتة تعيد طرح سؤال جوهري:
هل يمكن للنخبة أن تمارس تأثيرها خارج منطق التعيين، وأن تختار المسافة بدل القرب؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتضح بمرور الوقت، من خلال المسار الذي سيختاره الرجل لاحقًا، وطبيعة حضوره في المشهد العام.




