عاتكة الخزرجي من اروقة السوربون الى قمة الشعر / كتب ا.د كريم فرمان

( وهل عندكم في الحب بعض الذي عندي)
شاعرة الشفق عند الغسق، المثقفة الاديبة التي رفدت الشعر العربي بروائع خلدت أسمها ، عاتكة الاستاذة الجامعية المتمكنة وصاحبة الصوت الرخيم في غناء الشعر وهبت كل ما وهبها الله للأدب العربي شعرا ونثرا .
ولدت عام 1924م في أسرة عربية موصلية ميسورة فقد كان والدها وهبي الخزرجي متصرفا للواء الموصل إبان العهد العثماني وترك فقدان والدها بعد ولادتها بستة شهور اسى شفيفا وحسرة دفينة.
دخلت دار المعلمين العالية في بغداد عام 1941 مرتدية عباءتها حتى داخل الفصل الدراسي رغم أن زميلاتها كن يخلعنها عند بوابة الدار التي كانت وقتها تعج باكبر وأهم شعراء العراق امثال نازك الملائكة ولميعة عمارة والبياتي وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد وشاذل طاقة ومحمد جميل شلش واخرين.
كتب عنها برفسور صفاء خلوصي مقالة بالإنجليزية خلال دراسته الأدب المقارن في جامعة اوكسفورد ونشرتها الجمعية الاسيوية الملكية سنة50 19 وكانت عاتكة وقتها لا زالت طالبة في دار المعلمين العالية
(مهما قيل عن رباب وأم نزار ونازك ولميعة فإن امارة الشعر تعود بلا شك إلى ملكة الشعر الحديث غير المتوجة عاتكة الخزرجي، كان مستواها الشعري وضعها آنذاك في مصاف كبار الشعراء ).
كما قال عنها الناقد المصري د. عز الدين اسماعيل شاعرة قد تكاملت لها كل الأدوات الفنية واحرزت كل المهارات الحرفية ، كتبت في حب العراق قبل سفرها إلى باريس لدراسة الدكتوراة:
وطني العراق أحبه أو تبلغ الروح التراقي
هوى النخيل على الضفاف
يحضن دجلة والسواقي.
و أيضا يمتد حبها للعروبة لتقول:
هواي بها إني نذرت جوانحي،
إلى كل شبر في العروبة ممتد
إلى كل عرق بالعروبة نابض
وكل فؤاد يذكر الله بالحمد.
تعرفت إليها مصادفة عندما جمعنا مقعدين متجاورين في طائرة عراقية متجهة إلى المغرب عن طريق اثينا إذ كانت هي متوجهة للعمل استاذة في دار الحديث الحسنية في الرباط وانا كنت متوجها لنفس العاصمة لحضور مؤتمر طلابي ومن ثم توطدت علاقتي بها لاحقا حينما كنت احرص على زيارتها في دارها ببغداد بمثابة مقام والدة مبجلة وكنت اسعد عندما اقضي لها بعض التكليفات الخاصة.
عاتكة المتصوفة العابدة التي نذرت حياتها للعلم والشعر والعبادة والتصوف لم تتزوج أبدا رغم جمالها واناقتها التي لا تخفى عن العين، تصوفت بحلاوة العصر وتناجي ربها:
. احبك رباه فوق الهوى
ايا من به كنت والحب كان،
هات العهود على الوفاءوهاك،،
واليك ذي يمناي في يمناك،
لاظل ارعى العهد شأن متيم
آلى على الايام ان يهواك.
رحلتها إلى السوربون
وفي جامعة السوربون المرموقة وكما تتطلب تقاليدها بان يختار طالب الدكتوراة أولا أستاذا يقبل الاشراف عليه قبل تسجيله في الجامعة فاختارت عاتكة المستشرق الفرنسي المعروف ريجي بلاشير الشهير بترجمته الفرنسية الأدبية لمعاني القران الكريم وكتابه عن المتنبي.
ويعود سبب اختيارها بلاشير إلى أنها كانت تخطط لكتابة أطروحة دكتوراة عن الشاعر العباسي العباس ابن الأحنف و الذي كان قد كتب مقالة العباس بن الاحنف في دائرة المعارف الإسلامية هو نفسه ريجي بلاشير.
ويعود اختيارها العباس بن الاحنف موضوعا لاطروحتها إلى:
أولا. إنه أي الشاعر بغدادي عراقي مثل عاتكة ومحب لبغداد وشغوف بالعراق مثل عاتكة .
ثانيا. كان شبيها بعاتكة أو قل إن عاتكة تشبهه في العفة والطهارة والكرم ونبل الروح المفعمة بالحب والخير والجمال فهو عفيف الروح،كريم النفس،اقتصر شعره على الغزل والوصف يقول عنه الجاحظ ( لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب وكان في غزله ساميا طاهرا كما وصفه البحتري ).
ثالثا.. لا يوجد له في المكتبة العربية ديوان محقق تحقيقا علميا و أنه من هذه الناحية مظلوم تماما.
ومن شعر العباس بن الأحنف الذي يدل على أخلاقه النبيلة ، والذي توصي به الشاعرة الخزرجي بحفظه لسلاسة لغته وسمو معانيه:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم
حتى لذا ايقظوني للهوى رقدوا.
واستنهضوني فلما قمت منتصبا
بثقل ما حملوا من ودهم قعدوا.
جاروا علي ولم يوفوا بوعدهم ،.. ،
قد كنت احسبهم يوفون إن وعدوا .
لأخرجن من الدنيا وحبكم ،،،
بين الجوانح لم يشعر به أحد.
ومن الطريف ما ذكرته لي استاذة عاتكة عن استاذها برفسور بلاشير تقول :
عندما أحتاج أن أذهب لمقابلته في مكتبه في الجامعة لعرض ما كتبت أو أسأله النصح والإرشاد أقف عند باب المكتب فإذا سمعته يقول أشكوا الذين أذاقوني مودتهم!! انصرف فورا لأعرف إنه منشغل جدا ولكن عندما أسمعه يقول أبكي الذين أذاقوني مودتهم فاعلم إنه اذن بالدخول إليه!!
وقد امتازت اطروحتها للدكتوراة عن الشاعر العباسي ابن الاحنف بسمتين :
الأولى تحقيق ديوان الشاعر ولأول مرة تحقيقا علميا منصفا
والثانية دراسة معمقة في عصره وحياته وشعره والكشف عن الشخصية الحقيقية لحبيبته فوز!
كتب برفسور بلاشير تصديرا مهما طبع على كتابها يقول فيه
(يا انستي العزيزة لقد عرفك عالم المستشرقين الصغير قبل مجيئك إلى باريس بشاعريتك اللامعة المبكرة.)
وهي قد كتبت له إهداء الاطروحة الرائعة :
(الى استاذنا الشيخ الجليل والعلامة الكبير المستشرق الفرنسي الشهير . بلاشير مترجم القران الكريم وصاحب كتاب المتنبي أهديك هذا المجهود العلمي والادبي
وخطت له أبيات الشعر التالية :
يا حكمة الله قد سويت في بشر،، ما كنت في الناس إلا آية الحقب ،
كم قد سهرت الليالي شان ذي شغف، ،، وما شغفت بغير العلم والأدب
حاشا لمثلك أن يهفو لغانية أو أن يحن اشتياقا لابنة العنب!!
شبابك النضر كم افنيت زاهره، ، ،في خدمة الضاد او في خدمة العرب.
ترجمت قرانها لله ترجمة ،، آيا من السحر أو آ يا من العجب.).
قال عنها برفسور تيري رامسي استاذ القانون في جامعة بنسلفانيا والمتعاطف مع قضايا العرب وثقافتهم عندما اهديته كتابا باللغة الإنجليزية عن شعر عاتكة
(هذه امراة عظيمة هبطت إلى كوكبنا من كوكب سماوي معطر بالشعر والنقاء والعفة والحب الطاهر ).
سلاما على روحك الطيبة وقلبك النقي استاذة عاتكة الصديقة الكبيرة والوالدة الصادقة في عطفها ونصحها لي
القائلة!
يا من تقاسمت الهوى والوجد
وهل عندكم في الحب بعض الذي عندي.
الم يقل الشاعر العربي قديما أن بعض من الوفاء ثناء.




