الأخبارمقالات و تحليلات

زيارة غزواني إلى فرنسا: رهانات الشراكة بين ضرورات الداخل وتحولات الإقليم/احمد الدوه

احمدالدوه \كاتب صحفي
احمد ولدالدوه:محرر في صحيفة الصدى الموريتانية

تأتي زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا في لحظة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمات الأمنية في الساحل مع تحولات عميقة في موازين النفوذ الدولي، وتزايد الضغوط المرتبطة بملف الهجرة واللاجئين. وهي زيارة تتجاوز بعدها البروتوكولي، لتندرج ضمن إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لكلا البلدين.
أولًا: سياق إقليمي مضطرب:
تشهد منطقة الساحل الإفريقي تحولات متسارعة، أبرزها تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دولها، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مقابل صعود أدوار فاعلين دوليين جدد. وفي ظل هذا الواقع، تبرز موريتانيا كحالة استثناء نسبي من حيث الاستقرار الأمني والسياسي، ما يمنحها موقعًا متقدمًا كشريك موثوق في نظر القوى الدولية.
هذا الاستقرار لا يعني غياب التحديات، بل يعكس قدرة الدولة على إدارة بيئة إقليمية معقدة، خاصة مع تزايد التهديدات العابرة للحدود، وتنامي شبكات الهجرة غير النظامية.

ثانيًا: أبعاد دولية متغيرة
في سياق دولي يتسم بتراجع التعددية وصعود النزعات الانعزالية، تسعى فرنسا، بقيادة إيمانويل ماكرون، إلى إعادة تموضعها في إفريقيا، ليس فقط من زاوية الأمن، بل أيضًا عبر أدوات التنمية والشراكات الاقتصادية.
وتدرك باريس أن مقاربتها التقليدية في الساحل لم تعد كافية، ما يدفعها إلى البحث عن نماذج تعاون أكثر توازنًا، تقوم على دعم الدول المستقرة وتعزيز قدراتها بدل الانخراط العسكري المباشر.

ثالثًا: ماذا تريد فرنسا من موريتانيا؟
يمكن قراءة المصالح الفرنسية في هذه الزيارة من خلال عدة مستويات:
الأمن الإقليمي: ترى فرنسا في موريتانيا شريكًا مهمًا في جهود مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، خصوصًا في ظل تراجع حضورها العسكري المباشر في المنطقة.

الهجرة واللاجئون: تمثل موريتانيا نقطة محورية في مسارات الهجرة نحو أوروبا، وهو ما يجعل التعاون معها ضروريًا لضبط التدفقات وتعزيز سياسات الاحتواء.
النفوذ الاستراتيجي: تسعى باريس إلى الحفاظ على موطئ قدم في غرب إفريقيا عبر شراكات مستقرة، في ظل المنافسة الدولية المتزايدة.

التنمية والاستثمار: تدعم فرنسا مشاريع تنموية عبر أدوات مثل الوكالة الفرنسية للتنمية، بما يعزز حضورها الاقتصادي ويخدم مصالحها طويلة الأمد.
رابعًا: ماذا تريد موريتانيا؟
في المقابل، تتحرك موريتانيا وفق مقاربة براغماتية، تسعى من خلالها إلى:
تأمين دعم دولي لمواجهة أعباء اللاجئين والتنمية.
تعزيز قدراتها الأمنية دون الانخراط في صراعات إقليمية.
تنويع شراكاتها الدولية دون الارتهان لطرف واحد.
تثبيت موقعها كفاعل إقليمي متوازن وموثوق.

خامسًا: دلالات الزيارة
تعكس هذه الزيارة جملة من الدلالات، أبرزها أن موريتانيا لم تعد مجرد دولة هامشية في حسابات القوى الكبرى، بل أصبحت فاعلًا محوريًا في معادلة الساحل. كما تؤكد في الوقت ذاته أن فرنسا، رغم تراجع نفوذها في بعض الدول، لا تزال تسعى لإعادة صياغة حضورها عبر شركاء أكثر استقرارًا.
خلاصة:
إن زيارة غزواني إلى فرنسا تمثل لحظة تقاطع مصالح، حيث تبحث باريس عن شريك موثوق يعيد لها التوازن في المنطقة، بينما تسعى نواكشوط إلى توظيف هذا الاهتمام الدولي لتعزيز موقعها التنموي والأمني. وبين هذين المسارين، تتشكل ملامح شراكة جديدة، تحكمها البراغماتية وتفرضها تحولات الإقليم والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى