المسافة التي تصنع الهيبة!/المهندس احمد ولد اعمر
تتكرر في كثير من المناسبات الرسمية، السياسية والثقافية، مشاهد يظهر فيها المسؤولون متزاحمين على المقاعد بصورة توحي بأن المكان قد ضاق بمن فيه، وكأن تنظيم الفضاء لم يكن جزءًا من التخطيط للحدث. هذه التفاصيل قد تبدو للبعض بسيطة، لكنها في علم البروتوكول والاتصال المؤسسي ليست هامشية، بل هي جزء من الرسالة التي تنقلها الدولة إلى جمهورها.
ففي البروتوكول الحديث، لا تُقاس هيبة المسؤول بما يقوله فقط، وإنما أيضًا بالطريقة التي يُقدَّم بها داخل المشهد. فلكل شخصية عامة مساحة بصرية تضمن لها الراحة، وتحفظ خصوصيتها، وتعكس مكانتها. وهذه المساحة ليست ترفًا، بل عنصرًا من عناصر صناعة الصورة المؤسسية، لأن الصورة تتحدث قبل الخطاب، وتبقى في الذاكرة أكثر مما تبقى الكلمات.
إن ترك فراغات مدروسة بين الشخصيات الرسمية يمنح المشهد توازنًا بصريًا، ويساعد المتلقي على قراءة الصورة بسهولة، ويُبرز كل مسؤول في مكانه الطبيعي، بدل أن يتحول الجميع إلى كتلة واحدة يصعب تمييزها. فالجغرافيا داخل الصورة ليست مجرد توزيع للمقاعد، بل هي لغة صامتة تعكس قيمة الأشخاص وهيبة المؤسسة التي يمثلونها.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل أصبح التزاحم جزءًا من ثقافتنا التنظيمية حتى فقدنا الإحساس بقيمة الفضاء البصري؟ أم أن الأمر يعود إلى غياب التكوين المهني في مجالات البروتوكول وإدارة الفعاليات؟
إن بناء صورة الدولة لا يبدأ من المنصة فقط، بل يبدأ من أدق التفاصيل: توزيع المقاعد، واحترام المسافات، وزوايا التصوير، وحركة الضيوف، وإدارة الفضاء. فهذه العناصر مجتمعة هي التي تصنع الانطباع الأول، والانطباع الأول غالبًا ما يكون أقوى من آلاف الكلمات.
الصورة ليست توثيقًا للحدث فحسب، بل هي خطاب بصري يختزل مستوى الاحتراف، ويعكس هيبة الدولة واحترامها لرموزها ولمتلقي رسالتها .!
يرجي المقارنة بين الصورتين الواقعية والافتراضية ولكم التعليق !




