أخبار موريتانياافتتاحية الصدىالأخبارمقالات و تحليلات

عادت الكهرباء فأضأت مساحة الأسئلة… أزمة كهرباء العاصمة نواكشوط: قصور أم تقصير؟

هل كانت إدارة الشركة على علم دقيق  بحالة هذه المحطات ؟ وما التقارير الفنية التي أعدت بشأنها ؟ وما حجم الأموال التي أنفقت على صيانتها وتأهيلها ؟ وهل كانت المعدات والتجهيزات المستخدمة مطابقة للمواصفات المطلوبة؟ ومن قام بالرقابة والاستلام؟ وهل سبق أن تم التحذير من أعطاب أو مخاطر أو مؤشرات  معينة ولم تتم معالجتها في الوقت المناسب؟

كتب : رئيس التحرير /

لم تكن أزمة الكهرباء التي عاشتها العاصمة نواكشوط خلال الأيام الماضية مجرد عطل فني عابر يمكن أن ينتهي بانتهاء الانقطاعات وعودة التيار إلى المنازل والمؤسسات. فحين يتعلق الأمر بخدمة أساسية تمس حياة مئات الآلاف من المواطنين، وتؤثر في المستشفيات والمصالح العمومية والأسواق والمصانع والمؤسسات والمحال التجارية، فإن أي خلل واسع فيها يتحول تلقائيا إلى قضية عامة تستوجب التفسير والمساءلة والمراجعة.

 

لقد عادت الكهرباء تدريجيا، وتمكنت الفرق الفنية من إصلاح أجزاء مهمة من الأضرار التي خلفتها الحرائق التي طالت محطتين حيويتين في شبكة العاصمة، لكن السؤال الأهم لم يعد متعلقا فقط بموعد عودة التيار، وإنما بما وراء الأزمة: هل نحن أمام قصور فني وإداري في منظومة الكهرباء، أم أمام تقصير في أداء المسؤوليات؟

 

السؤال مشروع، بل إن عدم طرحه ملفت وعدم الإجابة عليه مريب .

 

فالمنشآت الحيوية لا تقاس قدرتها فقط بمدى اشتغالها في الظروف العادية، وإنما بقدرتها على مواجهة الأعطاب والحوادث المفاجئة. وإذا كان حادث واحد قاد إلى اضطرابات واسعة، فإن من حق المواطن أن يعرف: هل كانت الشبكة تمتلك الاحتياطي الكافي؟ وهل كانت محطات التحويل مجهزة بأنظمة الحماية والإطفاء والإنذار المطلوبة؟ وهل كانت خطط الطوارئ تسمح بعزل الخلل ومنع امتداده؟ وهل كانت عمليات الصيانة والتأهيل تتم وفق برامج منتظمة ومدروسة؟

 

ثم إن السؤال لا يتوقف عند يوم الحريق.بل يعود إلى السنوات التي سبقته.

هل كانت إدارة الشركة على علم دقيق  بحالة هذه المحطات ؟ وما التقارير الفنية التي أعدت بشأنها ؟ وما حجم الأموال التي أنفقت على صيانتها وتأهيلها ؟ وهل كانت المعدات والتجهيزات المستخدمة مطابقة للمواصفات المطلوبة؟ ومن قام بالرقابة والاستلام؟ وهل سبق أن تم التحذير من أعطاب أو مخاطر أو مؤشرات  معينة ولم تتم معالجتها في الوقت المناسب؟

 

هذه ليست أسئلة اتهام مسبقة، وإنما أسئلة مشروعة من مسؤوليتنا كصحافة تمارس حقها في الرقابة على الشأن العام أن نطرحها . والفرق كبير بين أن نتهم شخصا أو مؤسسة بالمسؤولية قبل انتهاء التحقيق، وبين أن نطالب الدولة بكشف الحقيقة كاملة.

 

وفي هذا السياق علينا أن نستشعر بكل مسؤولية أن المواطن هو من يدفع الفاتورة ، وأن أزمة الكهرباء لا تقاس فقط بعدد ساعات الانقطاع ، فهناك فاتورة اجتماعية واقتصادية وتنموية ضخمة يدفعها المواطن والدولة معا على المستويات التالية :

 

أولا على مستوى المنازل حيث الانقطاع اضطراب الحياة اليومية للسكان ، وتعطل أجهزة التبريد وحفظ المواد الغذائية، خصوصا في فصل الصيف.

 

وثانيا على مستوى  المستشفيات والمرافق الصحية، تصبح استمرارية الكهرباء مسألة تتصل مباشرة بجودة الخدمات وسلامة المرضى.

 

أما المستوى الثالث فيتعلق بالمؤسسات الاقتصادية، حيث تكون الأضرار أكثر وضوحا بسب توقف الإنتاج، و تعطل الأجهزة، وحيث تتفاقم خسائر  التجار والمطاعم والمصانع والورش، وتتراجع القدرة على تقديم الخدمات.

 

أما حين يتعلق بالمستثمرين الأجانب فيصبح الأمر أكثر إحراجا وازعاجا لكن هشاشة الخدمات الأساسية تضعف ثقة المستثمر في بيئة الأعمال، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن القوانين والحوافز، وإنما يبحث عن بنية تحتية مستقرة يمكن الاعتماد عليها.

 

ومن هذه المستويات يتضح أن أزمة كهرباء نواكشوط ليست شأنا تقنيا خاصا بالشركة الوطنية للماء والكهرباء، ولا ملفا إداريا يمكن أن يبقى داخل مكاتبها. إنها قضية دولة، لأنها تمس الاقتصاد والمجتمع والتنمية وسمعة البلاد.

 

الماء و الكهرباء.. هل نحن أمام نمط متكرر؟

 

لا يمكن أيضا فصل أزمة الكهرباء الحالية عن أزمة المياه التي عرفتها العاصمة خلال العام الماضي.

 

قد تختلف الأسباب والظروف الفنية بين الملفين، لكن القاسم المشترك هو أن المواطنين وجدوا أنفسهم أمام خدمة أساسية لا تعمل بالمستوى الذي ينتظرونه من دولة تستثمر مليارات الأوقية في البنية التحتية والمشاريع الكبرى.

 

وهنا يجب أن ننتقل من منطق معالجة الأزمة بعد وقوعها إلى منطق الوقاية منها قبل وقوعها.

 

الدولة التي تريد بناء اقتصاد قوي لا تنتظر انهيار منشأة حيوية حتى تبدأ في البحث عن أسباب ضعفها. ولا تنتظر أزمة مياه حتى تكتشف فجوة بين الإنتاج والطلب. ولا تنتظر احتراق محطة حتى تتأكد من جاهزية أنظمة الحماية والطوارئ.

 

التخطيط والصيانة والرقابة ليست نفقات إضافية، بل هي جزء من حماية المال العام.

 

وماذا عن الصفقات العمومية؟

 

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر حساسية في هذه الأزمة، لكنه أيضا السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه.

 

هل تم اقتناء المعدات والتجهيزات المتعلقة بمنظومة الكهرباء وفق احتياجات فنية حقيقية؟ هل تمت المنافسة بين الموردين بصورة سليمة؟ هل كانت المواصفات الفنية صارمة؟ هل تم فحص المعدات قبل استلامها؟ وهل كانت لجان المتابعة والاستلام مستقلة وفعالة؟

 

أما سؤال الأسئلة في هذا السياق فهو هل يتم اللجوء إلى الصفقات بالتفاهم المباشر والاستثناءات في حدود ما يسمح به القانون ولضرورات حقيقية، أم أن الاستثناء يمكن أن يتحول أحيانا إلى باب خلفي لتجاوز المنافسة؟

 

لا يجوز أن نقرر مسبقا أن هناك فسادا أو رشوة أو محاباة، فهذا شأن التحقيق والجهات القضائية المختصة. لكن لا يجوز أيضا أن يصبح مجرد طرح هذه الأسئلة من المحرمات.

 

الشفافية الحقيقية لا تخشى الأسئلة.

 

وإذا كانت كل الصفقات قد تمت وفقا للقانون، وكانت المعدات مطابقة للمواصفات، وكانت عمليات الصيانة والرقابة سليمة، فإن نشر الحقائق والوثائق سيضع حدا لكل الشائعات.

 

أما إذا كشفت التحقيقات عن تلاعب أو تضارب مصالح أو إخلالات أو تبديد للمال العام، فإن الأمر لا ينبغي أن ينتهي بإجراء إداري محدود، وإنما يجب أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها وفقا للقانون.

 

أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟

 

أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل أزمة هو البحث عن “كبش فداء” صغير، ثم إغلاق الملف.

 

لكن الخطورة المقابلة هي أن تصبح المسؤولية موزعة بين الجميع بحيث لا يتحملها أحد.

 

 غياب ثقافة الاستقالة الى متى  !!

 

المسؤولية ليست بالضرورة جريمة جنائية.

قد يكون المسؤول بريئا من أي فساد، لكنه أخفق في التخطيط أو الرقابة أو الصيانة أو اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وفي هذه الحالة توجد مسؤولية إدارية وسياسية وأخلاقية تستوجب المحاسبة.

 

وهنا نصل إلى ثقافة غائبة إلى حد كبير في إدارتنا العمومية: ثقافة الاستقالة وتحمل المسؤولية السياسية.

 

في العديد من الدول، قد يستقيل مسؤول لأن مؤسسة تقع تحت سلطته فشلت في أداء مهمتها، حتى دون أن تثبت بحقه مخالفة جنائية. فالاستقالة هناك ليست اعترافا بالسرقة أو الفساد، وإنما اعتراف بأن المسؤولية السياسية تقتضي تحمل نتائج الفشل.

 

فلماذا لا نرى مثل هذه الثقافة عندنا؟

 

ولماذا لا يشعر المسؤول، في بعض الأحيان، بأن فشل قطاع حيوي يديره قد يفرض عليه تقديم استقالته طواعية احتراما للمواطن وللمؤسسة وللمنصب الذي يشغله؟

 

إن ترسيخ هذه الثقافة لن يضعف الدولة، بل سيقويها.

 

المطلوب  الحقيقة.. لا كبش فداء ولا حماية لأحد

 

لقد كان قرار تشكيل لجنة تحقيق في أسباب الحرائق والمسؤوليات المترتبة عليها خطوة مهمة، لكن قيمة هذه الخطوة ستقاس بنتائجها.

 

نريد تحقيقا فنيا وإداريا وماليا شفافا، لا تحقيقا يبحث عن مخرج سياسي.

 

نريد أن نعرف أسباب الحريق، وحالة المحطتين قبل الحادث، وبرامج الصيانة، وطبيعة المعدات، ومسار الصفقات، وآليات الاستلام والمراقبة، ومدى جاهزية شبكة الطوارئ.

 

وإذا ثبت أن الحادث كان قضاء وقدرا فنيا لا يد لأحد فيه، فليقل التحقيق ذلك بوضوح.

 

وإذا ثبت التقصير، فليتحمل المقصر مسؤوليته.

 

وإذا ثبت فساد أو تلاعب في المال العام، فليأخذ القضاء مجراه.

 

أما أن تعود الكهرباء، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه، فذلك يعني أننا أصلحنا العطل ولم نصلح المنظومة.

 

إن الصدى لا تطالب بإدانة مسؤول، ولا بتبرئة آخر . إنها تطالب بمكاشفة الرأي العام بالحقيقة كي لا تتكرر الحادثة.

 

فالكهرباء قد تعود إلى المنازل، لكن آثار الأزمة ستبقى في ذاكرة المواطنين، وفي حسابات التجار والمستثمرين، وفي صورة الدولة أمام الداخل والخارج.

 

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا ليس فقط: متى تعود الكهرباء؟

 

بل السؤال الأعمق:

 

من المسؤول عندما تنطفئ العاصمة؟

 

فالدولة القوية ليست التي لا تقع فيها الأزمات، وإنما التي تعرف كيف تحقق فيها، وتحاسب المسؤول عنها، وتتعلم منها، وتمنع تكرارها.

 

الكهرباء عادت.. فهل تعود معها المسؤولية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى