رمضان بين قدسية العبادة وتحديات الغلاء/احمد ولد الدوه

يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه نفحات إيمانية خاصة، تُعيد ترتيب الأولويات في حياة المسلم، وتذكّره بأن قيمة الإنسان فيما يقدّمه من عمل صالح، لا فيما يكدّسه من مكاسب مادية. فهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، وتُقدَّر فيه الأقدار، لا شهر تُرفع فيه الأسعار وتُثقَل فيه كواهل الناس.
في رمضان، تسمو الأرواح بالصيام والقيام، وتتسع القلوب للتراحم والتكافل.
تتضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الخير، ويجد المحتاج نصيبًا أوفر من العطاء.
إنه موسم عبادة وتزكية، وفرصة لمراجعة النفس وتصحيح المسار، حيث يتعلم الصائم معنى الصبر والانضباط، ويستشعر نعمة الطعام التي حُرم منها ساعات طاعةً لله.
غير أن المفارقة المؤلمة التي تتكرر في بعض المجتمعات المسلمة، تتمثل في تحويل هذا الموسم الروحي إلى موسم استهلاكي بامتياز،
ترتفع فيه الأسعار بدل أن ترتفع القيم، وتزداد فيه مظاهر التبذير بدل أن يترسخ فيه الاقتصاد والاعتدال.
بينما الأصل أن يكون رمضان شهرًا للتيسير على الناس، والتخفيف عنهم، وتعزيز روح التضامن بينهم.
إن مسؤولية الحفاظ على روح رمضان لا تقع على الأفراد وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تشمل التجار والمنتجين والجهات المعنية بحماية المستهلك، كما تشمل الأسر التي ينبغي أن تربي أبناءها على ثقافة الاعتدال، بعيدًا عن الإسراف والتبذير والمباهاة.
فالمعيار الحقيقي لنجاح رمضان ليس في تنوع الموائد، بل في صفاء القلوب وصدق التوبة وحجم العطاء.
رمضان مدرسة سنوية يتعلم فيها المجتمع قيم التكافل والرحمة، وتُختبر فيها أخلاق السوق كما تُختبر أخلاق الأفراد.
فإذا كان هذا الشهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، وتُقدَّر فيه الأرزاق والآجال، فحريٌّ بنا أن نجعله شهرًا لرفع مستوى الوعي والإحسان، لا لرفع الأسعار وإثقال المعاناة.
فلنجعل من رمضان محطة إصلاح روحي واجتماعي، نغتنم أيامه ولياليه في ما يقربنا من الله، ويقرب بعضنا من بعض، حتى يظل بحق شهر البركة والعطاءات الربانية… لا شهر الأعباء.




