“الصدى” تنشر النص الكامل للبيان الختامي للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم
اختُتمت الخميس في نواكشوط فعاليات الملتقى السادس لـالمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، المنظم بالتعاون بين الحكومة الموريتانية ومنتدى أبوظبي للسلم، وذلك برعاية رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وبرئاسة عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي ورئيس المنتدى.
وفي كلمته الختامية، أعرب الشيخ عبد الله بن بيه عن شكره لموريتانيا على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، كما توجه بالشكر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، داعيًا المشاركين إلى العودة إلى بلدانهم رسل سلام ومبادرة، حاملين أفكارًا جديدة ورؤى صادقة لتعزيز المصالحة بين مختلف المكونات.
من جانبه، أكد وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، الفضيل ولد سيداتي ولد أحمد لولي، في كلمة الختام الرسمية، أن أيام المؤتمر لم تكن مجرد مناسبة خطابية، بل مثلت مسار تفكير جماعي ومسؤولية أخلاقية ورسالة علمية موجهة إلى واقع إفريقيا وتحدياتها المركبة. واعتبر أن شعار الدورة يعكس وعيًا حضاريًا يرى في السلم خيارًا استراتيجيًا، وفي الأمل قوة دافعة، وفي الإنسان محور البناء والاستقرار.
وهذا نص البيان الختامي للمؤتمر :
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، وإيمانًا بأن رجاء رحمة الله أصلٌ من أصول الإيمان، ومنهجٌ في العمل الرشيد، وقاعدة من قواعد التزكية الحميدة، وشرط لا غنى عنه لتعزيز السلم، وترسيخ الطمأنينة، وبناء جسور التعارف والوئام بين الأفراد والجماعات والأمم والشعوب؛
واستحضارا لما تمرّ به القارة الإفريقية من تحدياتٍ متشابكة، وما لها من نتائج معقدة —أمنية واقتصادية واجتماعية وقيمية —أفضت في بعض مناطق القارة إلى تجدد النزاعات وتفاقم التوترات الاجتماعية وارتفاع نسبة الهشاشة، وتزايد مظاهر العنف والتطرف والهجرة غير النظامية، والتهريب، والجريمة المنظمة، وتراجع ثقة الشباب في الفرص المتاحة في هذه القارة الواعدة ؛
واستثمارا لما راكمه المؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم في دوراته السابقة من نتائج إيجابية وخبرات، ومعارف وأفكار ، وما اضطلع به من دورٍ في توفير فضاءٍ جامعٍ للعلماء والمفكرين وصنّاع القرار والفاعلين المجتمعيين خدمةً لقيم السِّلم والوئام في القارة الإفريقية؛ وما قدمه من توصيات علمية ومقترحات عملية قابلة للتطبيق؛
انعقد بمدينة نواكشوط الملتقى الدولي السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 12 فبراير 2026م، تحت شعار:”إفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله” بدعوةٍ من منتدى أبوظبي للسِّلم، ودعم كريم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ممثلا بمعالي الوزير الأول الموريتاني السيد المختار ولد اجاي، وبإشرافٍ علمي من معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيّه، رئيس المؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم، ورئيس منتدى أبوظبي للسلم.
وقد شارك في أعمال هذا الملتقى جمعٌ من القادة والوزراء والمسؤولين والدبلوماسيين، وممثلي الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب مئات العلماء والمفكرين والأكاديميين والباحثين والإعلاميين، وصُنّاع الرأي، ونخبةٍ من الشباب والنساء من مختلف أقاليم القارة الإفريقية، وبحضورٍ رسميّ تقدّمه :
- معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية الدكتور أحمد توفيق
- وسعادة الأمين العام المساعد لمنظمة التعاون الإسلامي السيد يوسف الضبيعي ممثلا للأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.
- ووزير إدارة الأراضي والحكم المحلي المكلف باللامركزية بجمهورية تشاد معالي الدكتور أحمد عمر أحمد، بوصفه المبعوث الخاص لفخامة الرئيس التشادي،
وقد شهد الملتقى تكريم فخامة المشير محمد إدريس ديبي إتنو، رئيس جمهورية تشاد، باعتباره ضيف شرف هذه الدورة، تقديرًا لما بذلته جمهورية تشاد من إسهامٍ ملموس في تعزيز السِّلم الإقليمي واحتواء تداعيات النزاعات، وتجسيدًا لقيم التضامن الإنساني.
وتضمنت أعمال الملتقى قممًا متخصصة، من بينها قمة: الشباب والمرأة، وقمة : الأمن المائي، باعتبارها مداخل استراتيجية لصناعة الأمل وبناء الاستقرار.
كما اشتمل المؤتمر على معرضٍ توثيقي للعلاقات الإماراتية الإفريقية، قدّم عبر صورٍ ومحطاتٍ تاريخية قراءةً بصرية لمسار الشراكة الممتدة في مجالات التنمية والسِّلم والعمل الإنساني.
وحظيت جلسات الملتقى بمتابعةٍ واسعة عبر المنصات الرقمية. وتغطية كبيرة من وسائل الإعلام التقليدية،
أولًا: نتائج الملتقى
خلص المشاركون في الملتقى الدولي السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم إلى جملةٍ من النتائج، من أبرزها:
- التأكيد على راهنية شعار المؤتمر، في ظل تصاعد مظاهر اليأس وتنامي مؤشرات الإحباط وتفشي فقدان الأمل بين شباب القارة وما يترتب على ذلك – من بين أسبابٍ أخرى – من تطرفٍ وعنفٍ وآفات اجتماعية وهشاشةٍ مجتمعية
- التشديد على أن الأمل ليس قيمةً نفسيةً وجدانية فحسب، بل هو طاقةٌ روحية وأخلاقية تنبني عليها مسؤوليةٌ اجتماعية وسياسية، تعصم من العدمية والإحباط، وتُحفّز الإرادة الخلّاقة نحو العمل السديد تحقيقًا للعدل وتشييدًا للعمران ونشرًا للسكينة بين الناس، بما يسهم في الوقاية من النزاعات والتوترات الاجتماعية، ويعزّز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الوطنية، ويدفع المجتمعات إلى الانخراط الجاد في مسارات النهوض والبناء.
- التنبيه إلى أن الأمل هو البيئةُ الحاضنة للإبداع والابتكار؛ إذ يدفع المجتمعات من منطق ردّ الفعل إلى منطق صناعة الحلول.
- التأكيد على أن “صناعة الأمل” مسؤوليةٌ مشتركةٌ تتكامل فيها دوائرُ الفرد في صلته بالله تعالى، والأسرة في التربية وبناء المعنى، والمؤسساتُ الدينية والتعليمية والمدنية في تحويل الأمل إلى سياساتٍ وخدماتٍ وفرص.
- التأكيد على أن إفريقيا قادرة – بإذن الله – على الانتقال من كونها ساحةً للتحديات إلى فضاءٍ واسعٍ للفرص والإنجازات، متى توافرت إرادة النهوض وتكاملت المقاربات وتضافرت الجهود.
- التأكيد على أن معالجة أزمات إفريقيا تقتضي انتهاج مقارباتٍ شاملة تعالج الجذور العميقة للازمات، والعوامل المتداخلة وتحسن الربط الواعي بين السِّلم والعدالة والكرامة الإنسانية باعتبارها غايات سامية، والتنمية كوسيلة ضرورية للوصول إلى تلك الغايات النبيلة، وتُحوِّل الرجاء إلى عملٍ مؤسسي ومبادراتٍ مجتمعية وسياسات عمومية وقطاعية.
- التأكيد على الدور المؤثر للعلماء والمرجعيات الدينية وصناع الراي العام – ضمن شراكة مجتمعية أوسع- في تعزيز ونشر خطاب الأمل، ونزع قناع الشرعية الدينية عن جميع أنماط العنف، وترسيخ قيم كرامة الإنسان، وحرمة النفس البشرية وحماية الأبرياء – بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية والاجتماعية -، وتغليب صوت الحكمة واعتماد آليات الوساطة في حل النزاعات وإزالة فتيل التوترات في قارتنا الافريقية.
- التأكيد على أن الدولة الوطنية تظل الإطار الجامع لمعالجة النزاعات وإدارة الاختلافات، بما يحفظ وحدة المجتمعات واستقرارها مهما تنوعت الانتماءات الثقافية والعرقية والدينية.
- التأكيد على أن الهجرة غير النظامية ليست قضيةً أمنية فحسب، بل هي ظاهرةٌ متعددة الأسباب، تتداخل فيها عوامل كثيرة كالنزاعات والهشاشة الاقتصادية وضعف الخدمات الأساسية وندرة الفرص المتاحة، واتساع الشعور بانسداد الأفق.
- إبراز أهمية الأمن المائي بوصفه ركيزةً للحياة والسِّلم، ومدخلًا للتعاون الإقليمي، لا سببًا للصراع.
- الإشادة بالنماذج الإفريقية/الإسلامية الملهمة في ترسيخ العيش المشترك وصيانة القيم الإنسانية الجامعة، ومن ذلك إعلان مراكش بوصفه تجربةً مرجعية ملهمة من شأنها أن تُسهم في بناء الثقة وحماية السلم الأهلي.
- التأكيد على ضرورة الانتقال بالمؤتمر من ملتقى للأفكار إلى منصّة لصناعة السياسات، بما يجعله قيمة مضافة إفريقية ويضمن له أثرًا ملموسًا في حياة المجتمعات الإفريقية، ويجعل “صناعة الأمل” مسارًا قابلًا للقياس والمتابعة.
ثانيًا: التوصيات
وانطلاقًا من هذه النتائج، يوصي المشاركون بما يلي:
- تعزيز دور العلماء والمؤسسات الدينية في بناء خطاب أملٍ مسؤول قائم على الحكمة والرحمة، واحترام الكرامة الإنسانية؛ مع العمل على إنشاء شبكة إفريقية لعلماء السِّلم تُعنى بإصدار بيانات تثقيفية مشتركة في أوقات الأزمات، ودعم الوساطة المجتمعية في النزاعات المحلية، والإسهام في مراجعة وانتقاء مضامين تربوية مختارة لتعزيز ثقافة السِّلم.
- دعم برامج التربية والتعليم القيمي بوصفها الحاضنة الأولى لصناعة الأمل والوقاية من التطرف والعنف، بما يشمل تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، ومراجعة طرائق التدريس ذات الصلة بالعلوم الشرعية والقيمية لإبراز آفاق الرجاء والرحمة.
- تمكين الشباب والنساء، وإشراكهم الفاعل في مبادرات السِّلم والتنمية، باعتبارهم من أهم صُنّاع الأمل الموعود، ذلك عبر برامج تدريبية نوعية تُعنى بمهارات القيادة، والتواصل المجتمعي، والتأثير الإيجابي في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يُمكّنهم من حمل خطاب الأمل وتحويله إلى مبادراتٍ ميدانية.
- الاهتمام بمجال الفتوى وفق منهج الاعتدال والوسطية، عبر التأهيل العلمي للمفتين، وتطوير آليات الإفتاء الرشيد بما يعزّز بثّ الأمل والسكينة بين الناس.
- اعتماد مقاربة شاملة للهجرة غير النظامية ترتكز على الاستثمار في الإنسان وتوطين فرص التنمية والخدمات الأساسية في مناطق الهشاشة والنزوح، وذلك عبر إطلاق مبادرة “الاستبقاء الإيجابي” لتحويل الهجرة من “هروب من اليأس” إلى “تبادل للكفاءات” من خلال التدريب وفرص العمل المحلية والشراكات الاستثمارية.
- تعزيز التعاون الإفريقي في مجال الأمن المائي وتحويله إلى رافعةٍ للاستقرار والتكامل الإقليمي، وذلك عبر إطلاق مسار لتأسيس “مرصد إفريقي لسِلم المياه” بالشراكة مع خبراء ومؤسسات مختصة، يُعنى برصد مؤشرات التوتر المرتبطة بالموارد المائية، وتقديم توصيات وقائية مبكرة لصنّاع القرار.
- تشجيع توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر وتحليل النزاعات ودعم مسارات المصالحة وبناء السِّلم، مع التأكيد على تعزيز الأمن الفكري الرقمي لحماية الشباب من تأثير خوارزميات اليأس والتطرف، عبر شراكات بين الحكومات ومنصات التقنية ومؤسسات المجتمع المدني.
- إطلاق مسار إعداد “الميثاق الإفريقي لصناعة الأمل” عبر تأسيس لجنة فنية منبثقة عن المؤتمر تُكلَّف بصياغته وإعداد مسودته الأولى خلال عام واحد، تمهيدًا لعرضه على الدورة المقبلة للمؤتمر بوصفه وثيقة استرشادية.
- اعتماد آلية متابعة سنوية لقياس التقدم في تنفيذ هذه التوصيات، تُرفع خلاصاتها في تقريرٍ موجز يُعرض في افتتاح الدورة المقبلة للمؤتمر.
- التأكيد على الدور المحوري للإعلام التقليدي والرقمي في تشكيل الوعي العام ومحاربة اليأس وترسيخ الرجاء، والدعوة إلى تعزيز مسؤولية المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي في دعم خطاب الأمل والحدّ من خطابات التحريض وثقافة الكراهية، وتشجيع إنتاج محتوى يعزّز ثقافة السِّلم والتعايش، بالشراكة مع الهيئات التنظيمية ومؤسسات المجتمع المدني وبرامج التربية الإعلامية.
ثالثًا: الشكر والتقدير
يتقدّم المشاركون بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية، رئيسًا وحكومةً وشعبًا، على كرم الاستضافة وحسن الرعاية، ويعربون عن تقديرهم الكبير لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني على العناية الكريمة التي أحاط بها ضيوف المؤتمر، كما يتوجّهون بخالص الشكر والتقدير إلى دولة الإمارات العربية المتحدة على دعمها المتواصل لجهود تعزيز السِّلم وترسيخ قيم الحوار والتعاون، ويتوجّهون كذلك بالشكر الجزيل إلى جميع الشركاء والداعمين والمنظمين على جهودهم المتميزة في إنجاح أعمال هذا الملتقى.
ختاما
يؤكد المشاركون التزامهم بمواصلة العمل المشترك من أجل جعل هذا الأمل المنشود واقعا مشهودا في حياة الشعوب الإفريقية، وتحويل هذا الرجاء المعبر عنه إلى عملٍ مؤسسي يفتح آفاقا واعدة لتقديم الحلول والمقترحات، ويُعلي من الحكمة الإفريقية الأصيلة، ويحدّ من بواعث الخلاف وموجبات الفرقة. ويقضي على أسباب التوتر
سائلين الله تعالى أن يبارك هذا المسعى، وأن يكلّل جهودنا بالتوفيق والسداد، وأن يحفظ القارة الإفريقية دولا وشعوبا وأوطانا، وأن ينشر فيها الأمن والاستقرار، والتنمية والازدهار
والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.
حرّر بنواكشوط
فبراير 2026
لجنة البيان الختامي




