الأخبارفضاء الرأي

قضية الطفلة وبيان النيابة: إشكالية الشرعية القانونية وحدود الفضاء العمومي / أحمد محمد حماده


أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

أعادت قضية الطفلة التي تصدّرت النقاش العام في موريتانيا طرح أسئلة عميقة تتجاوز واقعتها الجزئية لتلامس بنية العلاقة بين القانون والمجتمع، وبين الدولة والمجال العمومي، وبين العدالة بوصفها إجراءً مؤسسياً والعدالة بوصفها تمثلاً اجتماعياً. ومع صدور بيان النيابة العامة، انتقلت القضية من طور التداول الانفعالي إلى مستوى التكييف القانوني، بما يفرض مقاربة تحليلية تستحضر تعقيد التفاعل بين مقتضيات التحقيق القضائي وديناميات الرأي العام.

وفق المعطيات الرسمية، لم تُثبت التحقيقات—في حدود ما أُعلن—توافر الأركان القانونية المكوِّنة لجرائم الاستعباد أو العمل القسري أو الحرمان من الحرية. وهذه الخلاصة، بصرف النظر عن تمثلاتها في الوعي الجماعي، تضعنا أمام إشكالية معيار الإثبات في القضايا ذات الحمولة الرمزية العالية، حيث يتقاطع القانوني بالاجتماعي، ويتداخل الواقعي بالمتخيَّل، وتصبح الحقيقة القضائية نتاجاً لمسار إجرائي صارم لا لاستجابات وجدانية أو تصورات مسبقة.

فالعدالة في الدولة الحديثة تقوم على بنية إجرائية دقيقة، يتأسس فيها الحكم على الدليل لا على الانطباع، وعلى المسار المؤسسي لا على ضغط المزاج العام. ومن ثم فإن قرينة البراءة لا تمثل مجرد قاعدة قانونية، بل تشكل أحد أعمدة الشرعية القضائية وضمانة أساسية ضد الانزلاق نحو محاكمات رمزية تُدار في الفضاء العمومي خارج آليات التحقق والإثبات.

غير أن هذه المقاربة القانونية لا تلغي الطابع الاجتماعي للقضايا المرتبطة بالفئات الهشة، إذ تتغذى مثل هذه الملفات على ذاكرة تاريخية وتراكمات رمزية تجعلها قابلة للتفاعل السريع داخل المجال العام. وهنا يتجلى التوتر البنيوي بين زمن العدالة القضائية—الذي يقوم على التثبت والتدرج—وزمن الرأي العام الذي تحكمه الاستجابة الفورية والانفعال الجمعي. وهو توتر طبيعي في المجتمعات المعاصرة، لكنه يطرح سؤالاً مركزياً حول كيفية التوفيق بين حماية الحقوق وصون المسار القضائي من التأثيرات الخارجية.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية توظيف الخطاب العاطفي في إدارة القضايا الحساسة داخل الفضاء العمومي. فبينما يشكل التعاطف مع الفئات الهشة استجابة أخلاقية مشروعة، فإن تحويل هذا التعاطف إلى أداة تعبئة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الوعي العام على نحو يسبق نتائج التحقيق أو يؤثر في مساره. ويزداد هذا التأثير حين يُخاطَب الجمهور عبر لغة انفعالية تُبسّط الوقائع القانونية المعقدة وتُنتج قناعات مسبقة، خاصة لدى الفئات الأقل اطلاعاً على طبيعة الإجراءات القضائية. ومن ثم يواجه الفاعلون الإعلاميون والحقوقيون تحدياً معرفياً وأخلاقياً يتمثل في الموازنة بين واجب إثارة الوعي الاجتماعي وبين ضرورة صون استقلال العدالة من تأثيرات التعبئة الجماهيرية.

ويكشف هذا الوضع عن حدود التداخل بين منطقين مختلفين: منطق القضاء الذي يستند إلى الحجة القانونية، ومنطق المجال العمومي الذي يتحرك وفق ديناميات التأثير الرمزي والتداول العاطفي. وعندما يختل التوازن بينهما، قد تنشأ حالة من “التشويش المعرفي” تُطمس فيها الحدود بين الخبر والرأي، وبين الوقائع والتأويلات، بما يهدد الثقة العامة في المؤسسات وفي الخطاب الحقوقي على السواء.

كما تطرح القضية سؤالاً يتعلق بدور الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين بوصفهم وسطاء بين الواقع الاجتماعي والمؤسسة القضائية. فالإعلام، بوصفه فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي، مطالب بإنتاج معرفة دقيقة لا بإعادة إنتاج الانفعال، كما أن الخطاب الحقوقي يكتسب مشروعيته من صرامته التوثيقية لا من قدرته على التعبئة. وكلما اقترب هذا الخطاب من منطق الصراع السياسي أو الاستثمار الرمزي للمعاناة، تراجعت قدرته على أداء وظيفته الأصلية بوصفه آلية لحماية الحقوق وتعزيز المساءلة.

أما الدولة، فإن مشروعيتها في مثل هذه القضايا لا تُقاس بقدرتها على نفي الاتهام أو تأكيده فحسب، بل بمدى كفاءة مؤسساتها في إنتاج الحقيقة القضائية ضمن شروط الشفافية والنزاهة، وبقدرتها على حماية الفئات الهشة وضمان أن كل ادعاء يخضع للفحص القانوني الجاد. فالثقة في العدالة ليست معطى جاهزاً، بل هي نتاج تراكم مؤسسي طويل يعزز الشعور العام بأن القانون يعمل بمعزل عن ضغط الشارع أو تأثير المصالح.

في المحصلة، تكشف هذه القضية عن ضرورة ترسيخ توازن دقيق بين الحساسية الأخلاقية تجاه القضايا الاجتماعية والانضباط القانوني الذي يحمي المجتمع من فوضى الاتهام. فالعدالة لا تتحقق عبر الانفعال، كما أن حماية الحقوق لا تنفصل عن المسار المؤسسي الذي يضمنها. وبين العاطفة العامة ومقتضيات التحقيق، يظل التحدي قائماً في بناء وعي جمعي يدرك أن الحقيقة القض

ائية تُستخلص عبر إجراءات، وأن الشرعية القانونية لا تُنتجها التعبئة بل يرسخها احترام المؤسسات.

وعليه، فإن إدارة القضايا الحساسة ينبغي أن تتحول إلى فرصة لتعزيز ثقافة قانونية راسخة، وتطوير خطاب حقوقي أكثر اتزاناً، وإرساء فضاء عمومي يقوم على النقاش المسؤول لا على الاستقطاب الانفعالي. وعندها فقط يصبح النقاش العام رافداً للعدالة لا بديلاً عنها، وتتحقق حماية الحقوق بوصفها ممارسة مؤسسية مستدامة لا استجابة ظرفية تحكمها تقلبات اللحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى