عندما يُستبدَل النقاش العلمي الرصين بالتحامل./الدكتور ديدي ولد السالك

كتب الأستاذ لوغورمو مقالته الأخيرة وكأنّها ردٌّ على موقفٍ معادٍ للحوار، بينما الحقيقة الموثّقة في أرضية اليوم التفكيري التي قدّمناها تقول عكس ذلك تمامًا. ومن المؤسف أن يتحوّل نقاشٌ كان ينبغي أن يرتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية إلى حملة اتهامات وتشكيك لا تستند إلى قراءة دقيقة، ولا إلى عرض أمينٍ للأفكار.
لقد اتّهمنا الأستاذ لوغورمو بمعارضة الحوار الوطني، بينما الوثيقة الموسومة بـ«الحوار الوطني: المنهجية، المحاور، آليات التنفيذ» — والتي عرضناها مكتوبة ومفصّلة أمام النخبة الوطنية — لم تتضمّن فقرة واحدة ضد الحوار، بل كانت كلّها دعوة صريحة إلى تنظيمه على أسس علمية، واضحة، تضمن نجاحه وتمنع انحرافه.
فهل المطالبة بتحديد الأهداف بدقة تُعدّ رفضًا للحوار؟
وهل اقتراح هيكلة جهة إشراف مستقلة ومقنعة يُعتبر تعطيلًا له؟
وهل التحذير من إدخال مواضيع قابلة للتفجير — كالمحاصصة أو المواد الدستورية المحصّنة — في توقيت غير مناسب، هو عرقلة أم حرصٌ على نجاح المسار؟
الحقيقة أن أرضيتنا قسّمت الموضوع إلى ثمانية محاور متكاملة:
• تحديد الأهداف،
• تنظيم الإشراف،
• التحذير من الألغام السياسية،
• ضبط المفاهيم في القضايا الخلافية (كالرق، والمظالم، والوحدة الوطنية)،
• التركيز على أولويات الإصلاح ومحاربة الفساد والنموذج التنموي،
• آليات إدارة الحوار،
• منهجية تنفيذ مخرجاته،
• وتوفير المناخ الضامن لنجاحه.
فأين هو «رفض الحوار» في هذا كلّه؟
إن المشكلة ليست في موقفنا من الحوار، بل في القراءة الانتقائية التي مارسها الأستاذ لوغورمو. والأسوأ من ذلك أنه انتقل من مناقشة الأفكار إلى توزيع تهم جاهزة: عنصرية، خيانة، عداء للوحدة الوطنية… دون أن يقدّم دليلًا واحدًا أو اقتباسًا صريحًا يثبت ادّعاءه.
نحن لم نهاجم الحوار، بل حذّرنا من تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات أو لتفجير قضايا حسّاسة دون أرضية علمية واضحة. والفرق كبير بين من يريد حوارًا منظّمًا منتجًا، ومن يريد حوارًا فضفاضًا بلا ضوابط قد ينتهي إلى الانقسام بدل التوافق.
أما في ما يتعلّق باللغة العربية، فإن الدفاع عنها ليس موقفًا عنصريًا، بل موقفًا سياديًا وثقافيًا مشروعًا. فهي لغة أغلبية الشعب، ولغة رسمية للدولة، ولغة حضارة عريقة. المطالبة بحمايتها لا تعني إقصاء اللغات الوطنية الأخرى، بل تعني رفض تحويل النقاش اللغوي إلى أداة استقطاب أو إلى مدخل لإضعاف الانسجام الوطني.
كذلك فإن الحديث عن الإرث الإنساني لا ينبغي أن يُختزل في عرقٍ أو فترة زمنية معيّنة، بل يجب أن يُفهم باعتباره مظالم تعرّض لها مواطنون موريتانيون في سياقات مختلفة. العدالة لا تتجزأ، والإنصاف لا يُبنى على الانتقائية.
لقد كان الأولى بأستاذ جامعي يدرّس القانون العام أن يناقش الوثيقة فقرةً فقرة، وأن يردّ بالحجّة على الحجة، بدل أن ينزلق إلى خطاب تعبوي يحرّض السلطة ضد منظّمي يوم فكري أكاديمي لم يفعل سوى طرح رؤية مكتوبة للنقاش.
نحن لم نتحرّك بدافع موالاة النظام ولا معارضته. تحرّكنا بدافع مصلحة موريتانيا. نريد حوارًا يخرج البلاد من الحلقة المفرغة من الجدل العقيم، ويوجّه الطاقات نحو محاربة الفساد، وترسيخ الحكامة، وبناء نموذج تنموي عادل، وتنفيذ إصلاحات سياسية ودستورية متوافق عليها.
السؤال الحقيقي الذي لم يُجب عنه الأستاذ لوغورمو هو:
ما تعريفه للوحدة الوطنية؟
هل هي مجرّد شعار يُستخدم لتخوين المختلفين؟ أم هي مشروع جامع يقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الثوابت، وضبط الخلافات في إطار مؤسساتي مسؤول؟
في الخلاصة، نقول بوضوح:
نحن مع الحوار، لكننا ضد العبث.
نحن مع الإصلاح، لكننا ضد المغامرة.
نحن مع الوحدة الوطنية، لكننا ضد احتكار تعريفها.
قدّمنا رؤيتنا مكتوبة وعلنية، وفتحنا باب النقاش حولها.
فليقدّم الأستاذ لوغورمو رؤيته بالحجج والبرهان، بعيدًا عن التخوين والتأليب، ولتكن الكلمة الفصل للعقل، لا للانفعال.
فالحوار الذي نريده ليس شعارًا يُرفع، بل منهجًا يُحترم




