ماكي صال… من قلب أفريقيا إلى الهرم الأممي / بقلم : عبد الله ولد محمدي
مع اقتراب انتهاء ولاية الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يتجدد النقاش داخل الأروقة الدبلوماسية حول عودة أفريقيا إلى قمة الهرم الأممي، في وقت يعيش فيه العالم حالة من الاضطراب، وتتحول الهيئة الأممية إلى شيء متجاوز، فهل تكون الحكمة الأفريقية هي الحل؟
في هذا السياق، يعود اسم الرئيس السنغالي السابق ماكي صال إلى التداول، لا بوصفه زعيماً متقاعداً يروّج لمذكراته الجديدة «أفريقيا في القلب»، بل بصفته احتمالاً سياسياً في معادلة دولية تتشكل بهدوء.
ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها أسماء أفريقية للمنصب الأممي الرفيع، بل إن المصري المخضرم بطرس بطرس غالي كان أول أفريقي يتولى المنصب (1992 إلى 1996)، ليدير دفة تحديات كبرى في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وخرج من المبنى الأممي بفيتو أميركي رفض التجديد له.
بعد ذلك وصل الغاني كوفي عنان إلى المنصب مطلع 1997، واستمر فيه حتى 2006، ليدير واحدة من أصعب الفترات حيث وقعت أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، واندلعت الحرب على الإرهاب في أفغانستان ثم العراق.
بعد ذلك ظلّت الأسماء الأفريقية تتكرر، لكنها غالباً ما كانت تصطدم بانقسامات داخل القارة نفسها، قبل أن تصل إلى تعقيدات مجلس الأمن. ربما المختلف هذه المرة أن بعض القادة الأفارقة يتحدثون عن ضرورة توحيد الصف وراء شخصية تمتلك شبكة علاقات دولية وخبرة تنفيذية، وقادرة على مخاطبة العواصم الكبرى بلغة المصالح لا الشعارات.
هُنا يصبحُ اسم ماكي صال خياراً مناسباً، وهو الذي حين حكم السنغال (2012 – 2024)، سعى إلى تقديم نفسه وسيطاً بين الشمال والجنوب، ومدافعاً عن إعادة صياغة النظام المالي العالمي بما يخفف أعباء الديون عن الدول الأفريقية.
في قمم المناخ ومجموعة العشرين والاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، كان صوته قوياً للمطالبة بتمويل عادل لانتقال الطاقة، وبحق القارة في استغلال مواردها الطبيعية، بما فيها الأحفورية، بوصفها مرحلة ضرورية لبناء البنية التحتية للتنمية.
بعد خروجه من السلطة، اختار الابتعاد عن التجاذبات الداخلية، مفضّلاً الانخراط في المنتديات الدولية والعمل الفكري. هذا الابتعاد، في السياق الأفريقي، ليس تفصيلاً ثانوياً؛ إذ يخفّف من حدة الاستقطاب المحلي الذي كثيراً ما يلاحق القادة السابقين، ويمنحهم هامش حركة أوسع على الساحة الدولية.
لكن طريق الأمانة العامة لا يُعبّد بالنوايا الطيبة.
المعادلة تمر أولاً عبر توافق أفريقي صريح، وهو أمر لم يتحقق دائماً، وتنتهي إلى أن الكلمة الفصل تبقى لمجلس الأمن، حيث تتقاطع حسابات القوى الكبرى، وتتحكم الفيتوهات في مصير الترشيحات.
هنا، يبرز السؤال: هل يمكن لرجل خاض في سنواته الأخيرة سجالات مع بعض العواصم الغربية حول ملفات الديمقراطية والموارد الطبيعية، أن يتحول إلى مرشح توافقي؟
في المقابل، ثمة قراءة أوروبية براغماتية ترى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شخصية من الجنوب العالمي، قادرة على إدارة التعددية الدولية في زمن الاستقطاب، من أوكرانيا إلى غزة، ومن أزمات الغذاء إلى تحديات المناخ. أفريقيا، التي تمثّل الكتلة التصويتية الأكبر في الجمعية العامة، قد تجد في دعم مرشح موحّد فرصة لتعزيز وزنها التفاوضي، حتى لو لم يُحسم السباق لصالحه.
المفارقة أن الحديث عن ماكي صال يتزامن مع صدور كتاب يحمل عنواناً عاطفياً: «أفريقيا في القلب». غير أن السياسة الدولية لا تُدار بالعاطفة، بل بموازين القوى. وإذا كان الرؤساء الأفارقة يفكرون فعلاً في الدفع باسمه، فإنهم لا يدعمون شخصاً بقدر ما يختبرون قدرتهم على الفعل الجماعي.
في نهاية المطاف، قد يكون السؤال: هل تستطيع أفريقيا أن تتحدث بصوت واحد؟ فإذا نجحت في ذلك، يصبح اسم ماكي صال أو غيره تفصيلاً؛ إذ إن أفريقيا ستكون في قلب التحولات التي يعيشها العالم، وستكون أمام فرصة ذهبية لإعادة توازن القوى بين الأقطاب، وربما تنقذ العالم من حالة الجنون التي يعيشها.
ربما تكون الحكمة الأفريقية هي ما يحتاج إليه عالم اليوم.




