الأخبارتقارير ودراسات

جذور التطرف البنيوي في الحياة السياسية الفرنسية بين الفصائل والأحزاب / بيير لوي ريمون

بيير لوي ريمون / أكاديمي فرنسي مستشرق

فصائل، ميليشيات، مجموعات مسلحة، مصطلحات قد يتبادر إلى الذهن العام أنها محصورة على الصراعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الوسطى وإفريقيا جنوب الصحراء. هذا صحيح، مع الأسف. لكن صحيح نسبيا.

صحيح نسبيا لأن “الفصائل”، و”الميليشيات” و”المجموعات المسلحة” قد تتعلق أيضا بالحياة السياسية الداخلية. وفرنسا، مثل دول أوروبية كثيرة، لم تنج من هذا الواقع.

إنه واقع تاريخي، لصيق أصلا بتطور الإيديولوجية الفكرية المتطرفة، يسارا ويمينا، حيث يجاور الولاء للشيوعية السوفياتية والتيار التروتسكي، يسارا، التأويل المحرف لرسالة الديانة المسيحية يمينا، في جو من الإقصاء البنيوي يمارسه كل معسكر على غريمه من جهة، لكن أيضا على المجتمع من جهة أخرى.

كانتان ديرانك ضحية في كل الأحوال. ضحية جريمة قتل، ضحية وحشية مرتكبيه. لكن لا ينتهي الأمر هنا. فالمجتمع أيضا ضحية. المجتمع الفرنسي بأكمله المخترق من قبل تاريخه السياسي، تاريخ أحزاب أعلنت الولاء، في جذورها، لتفكير شكلته بدورها ولاءات تاريخية، ولاءات للتروتسكية والشيوعية السوفياتية من جهة، ولألمانيا النازية من جهة أخرى. لا أقول إن المعتركين بقيا على حالهما من الراديكالية اليوم، أو بعبارة أدق، على مستوى مماثل من الوزن. لقد دخلنا منذ مدة زمن الترسبات. لكن الترسبات قابلة للتنامي، مثل الأعشاب الضارة التي يمكنها أن تستولي على المزروع كاملا ليتلف الحصاد تماما.
هذا ما يتربصنا إن لم نتق عودة هذه التيارات التي حولت المشاريع السياسية السامية ورسائلها إلى أدوات لتحريك النعرات، إثارة الشهوات وتفعيل حب العدم.

فلنبدأ بـ”نيميزيس”، التي تعني معا”إلهة الغضب العادل” و”إلهة الانتقام”. ولنقف عند كيفية وقوف هذه المجموعة على مفترق الطرق الذي تفرزه الهالة الضبابية المتولدة عن المعنيين. فلا توجد عدالة انتقامية، توجد عدالة وكفى. وأن تعتبر جماعة نيميزيس نفسها حركة نسوية تنخرط في باقي العمل الحركي النسوي شيء، لكن أن تترك نضالا مشروعا مخترقا من قبل التطرف، أمر يجعلها تتلاقى في النهاية مع تيار “الحرس الشاب المناهض للفاشية”، الذي يقف عند الخط نفسه، خط التطرف، بغض النظر عن انتمائه فكريا للمعسكر السياسي المقابل.

مجددا، عدنا إلى منطق الاستقطابات. هذا المنطق الذي تعدته طبقات سياسية بأنواعها في أوروبا، أكان الأمر متعلقا باعتياد ألمانيا، منذ زمن طويل، العمل بالمنطق المعاكس تماما، منطق التحالفات، أو تبني بريطانيا النهج الإصلاحي منذ زمان أيضا، بحيث لم يعد حزب العمال يسير في مدار “الدولية الاشتراكية”.

في وجه من يرى أن الحكم بمنطق التحالفات يعزز التطرف لأن “حكم أحزاب الوسط” لا يسمح بقراءة الاتجاهات السياسية بوضوح، نقول إن منطق الاستقطابات هو الذي يعزز التطرف. وطالما أن فرنسا لم تدخل إصلاحا تحديثيا أساسيا على منظومتها الحزبية فإنها ستفوت موعدين، موعد تحالفات المشاريع وموعد السلم الاجتماعي. تحالفات المشاريع أولا، وهنا نتحدث عن المشاريع الأساسية التي تكرس احتياجات كل شعب من تعليم وتجهيزات وبنى تحتية وتأطير صحي وضمان اجتماعي ووظائف شغل في مستوى طموحات الإنتاج والاستشرافات المستقبلية للدولة.

أما السلم الاجتماعي، فينجم عن تحقيق هذه المشاريع. وهنا يكمن الإشكال. إشكال تبديل الطبيعة الاجتماعية للمشاريع بتطاحنات سياسية تفسح المجال أمام الانحيازات والتوجهات والملصقات فتخترق طموحات من المفروض أن تكون خالية من كل “لون” أو “بصمة” أو “ميل” إلا الألوان والبصمات والميول التي تحملها تطلعات الشعوب المحققة من قبل حكومات عرفت كيف ترص صفوفها.

بكل تأكيد، تنم الجريمة المرتكبة في حق كانتان ديرانك عن فراغ. فراغ وليد سنوات من السياسات المبنية على الاستقطابات التي تغذي النعرات والغرائز العدمية القائمة على منطق الإقصاء.

قد يقول قائل إن هذه الممارسات من طبيعة السياسة ولا داعي للاكتراث بها أكثر من اللازم. لكن المسألة بنيوية هنا. لقد تغير العالم وتغيرت معه المطالب، وبتغير المطالب تغيرت المقاربات. نعم، السياسية الوسطية القائمة على التعاقدات والتوافقات هي الحل. قالها جان جاك روسو بكلماته، فـ”العقد الاجتماعي” هو عقد سياسي. وبامتياز. لكن حتى تتم ترجمة هذا الامتياز إلى واقع براغماتي، لا بد من إقناع الرأي العام قبل الخوض في أدوات التنفيذ، والإقناع يمر عبر التأثير على العقليات. العمل يبدأ من هنا، بعبارة أخرى من المدرسة. أنظروا مثلا كيف يكون الشباب الألماني مزودا بعدة منهجية تجعله مقتنعا بصورة شبه ذاتية بفلسفة التوافقات وتكفي الإشارة هنا كمثال إلى التعدد اللغوي الرائج في المدارس الألمانية عبر تمكن جيل الشباب من اللغة الإنكليزية منذ نعومة أظفارهم وأيضا تمكنهم السريع من لغة أخرى. أنظروا أيضاً، وفرنسا تحتفل بالأرقام التجارية “الجيدة” التي تحققها الشركة الوطنية للسكك الحديدية، كيف يستمر العمل عندنا بعربات يمتد عمرها لأربعين عاما حين يجددها الجيران الألمان كل سبعة عشر عاما!

بتناولنا كل هذه المشاريع المحققة عند غيرنا وتلك غير المحققة عندنا، نغوص في عمق مسألة السلم الاجتماعي لأن واقعة ليون الأخيرة كشفت مرة أخرى كيف أن النسيج الاجتماعي الفرنسي منخور. منخور بتقاعس السلطات المتراكم منذ سنوات عن تبني نهج سياسي واضح تجاه أكثر الملفات حساسية داخليا وخارجيا، منخور لعجز الطبقة السياسية الفرنسية في برلمانها عن القضاء على سم تراشقات كلامية مجانية لم تؤد بالحياة البرلمانية داخل أي قوة اقتصادية أوروبية أخرى إلى هذا المستوى، منخور، في نهاية، من عدم الفهم بأن لا مصلحة خاصة دون إقرانها بالمصلحة العامة، تلك التي نعتها الفيلسوف إيمانويل كانط في زمانه بـ”الخير الأسمى”.

المصدر 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى